تبادل الكتب بين الحسين وابن زياد

تبادل الكتب بين الحسين وابن زياد
بعد مسير دام شهراً على وجه التقريب وبعدما حصل ما حصل في تلك المدة من الوعود الكاذبة وقتل رسل الحسين(ع) الذين بعثهم إلى الكوفة واستشهاد مسلم بن عقيل ومحاصرة الحر للحسين وأهل بيته وأصحابه وصل الموكب الشريف إلى أرض كربلاء في أوائل شهر محرم عام إحدى وستين للهجرة.
وهناك بعث الحر الرياحي برسالة إلى ابن زياد يخبره فيها بنزول الحسين في كربلاء وأنه محاصر من جميع الجهات لا يستطيع التحرك، فرجع رسول الحر حاملاً رسالة من ابن زياد إلى الإمام الحسين(ع) وقد جاء في تلك الرسالة: أمّا بعد يا حسين فقد بلغني نزولك كربلاء وقد كتب إليّ أمير المؤمنين يزيد أنْ لا أتوسّد الوثير ولا أشبع من الخمير أو اُلحقك باللطيف الخبير أو تنزل على حكمي وحكم يزيد والسّلام:
قرأ الإمام الحسين كتاب ابن زياد ثم رماه من يده فطالبه رسول ابن زياد بالجواب فقال له(ع): ليس له عندي جواب فقد حقت عليه كلمة العذاب: رجع الرسول إلى ابن زياد وأخبره بما قاله الحسين فاشتد غضبه وأرسل إلى عمر ابن سعد الذي كان مخيماً بالقرب من كربلاء على رأس أربعة آلاف فارس وأمره بالذهاب إلى كربلاء وقتال الحسين ووعده ملك الري والديلم فكره ابن سعد قتال الحسين الذي كانت تربطه به رحم، ثم جمع ابن سعد نصحاءه فشاورهم في الأمر فأشاروا عليه بعدم قتال الإمام الحسين، وقد قال له ابن اُخته حمزة بن المغيرة بن شعبة : اُنشدك الله أنْ لا تسير لحرب الحسين، فتقطع رحمك وتأثم بربّك، فوالله لئن تخرج من دنياك ومالك وسلطان الأرض كلّه لو كان لك لكان خيراً لك من أنْ تلقى الله بدم الحسين: فقال بن سعد: أفعل إن شاء الله.
ولكن ابن سعد بات تلك الليلة يفكر في الأمر ويخير نفسه بين ملك الري الذي كان حلم حياته وبين أن يأثم بقتل الحسين فيخسر آخرته، ولكن الشيطان تغلب عليه فزين له ملك الري الذي لم يصل إليه بعد قتل الإمام الحسين وقد سُمع في تلك الليلة يقول: أأترك ملك الري والري منيتي أم أرجع مأثوماً بقتل حسين، وفي قتله النار التي ليس دونها حجاب وملك الري قرة عيني.
وفي الصباح ذهب عمر بن سعد إلى ابن زياد وطلب منه أن يرسل غيره لقتل الحسين فطلب منه بن زياد أن يُرجع إليه العهد ويعني ذلك أن يتجرد عمر بن سعد من جميع صلاحياته فعندها وافق على طلب بن زياد.
أقبل عمر بن سعد في أربعة آلاف وانضم إليه الحر ومن كان معه فدعا عمر ابن سعد عزرة بن قيس الأحمسي وطلب منه أن يذهب إلى الحسين ويسأله عن السبب الذي أتى به إلى كربلاء فأبى عزرة ذلك لأنه كان يستحيي من الإمام الحسين فقام كُثَير بن عبد الله الشعبي وكان جريئاً فاتكاً وقال : أنا له وإنْ شئت أنْ أفتك به لفعلت قال عمر لا ولكن سله ما الذي جاء به ؟ فأقبل كُثَير وعرفه أبو ثمامة الصائدي فقام في وجهه وقال : ضع سَيفك وادخل على الحسين ، فأبى واستأبى ثمّ انصرف، فدعا عمر بن سعد قرّة بن قيس الحنظلي ليسأل الحسين ولمّا أبلغه رسالة ابن سعد : قال أبو عبد الله : إنّ أهل مصركم كتبوا إليَّ أنْ اقدم علينا ، فأمّا إذا كرهتموني انصرفتُ عنكم:
طبعاً إن الإمام الحسين يعرف الجواب ويعرف عزمهم على قتله ولكنه بكلامه ذاك يحاول أن يلقي الحجة عليهم ليبين للناس مدى شرهم وظلمهم، فرجع قيس إلى عمر وأخبره بما قال الحسين فأرسل عمر بن سعد إلى ابن زياد يخبره بما قاله الحسين فكتب له ابن زياد: أمّا بعد فاعرض على الحسين وأصحابه البيعة ليزيد فإنْ فعل رأينا رأينا:
ولا شك بأن عمر بن سعد حاول أن يقنع الحسين بالبيعة ليزيد خوفاً على الحسين من جهة، وخوفاً على ملك الري من جهة ثانية، ولكن الذي رفض البيعة في المدينة ومكة قد رفضها في كربلاء لأنه يعلم المكيدة اليزيدية فإن يزيداً يريد أن يقتل الحسين حتى ولو بايعه ولكنه أراد أن يقتله ذليلاً فأبى الحسين الذل وآثر القتل على المبايعة، وحتى لو علم الحسين بأن يزيداً لن يقتله إن بايعه فإنه لا يبايعه لأن المبايعة ليزيد تعني خلو الأرض من الدين والخير والإنسانية.
وفي الكوفة كان ابن زياد يعمل على التحريض والتعبئة ضد الإمام الحسين فلقد جمع النّاس في جامع الكوفة فقال : أيّها النّاس إنّكم بلوتم آل أبي سفيان فوجدتموهم كما تحبّون ، وهذا أمير المؤمنين يزيد قد عرفتموه ، حسن السّيرة ، محمود الطريقة محسناً إلى الرعيّة ، يعطي العطاء في حقّه ، وقد أمنت السّبل على عهده وكذلك كان أبوه معاوية في عصره ، وهذا ابنه يزيد يُكرم العباد ويغنيهم بالأموال ، وقد زادكم في أرزاقكم مئة مئة ، وأمرني أنْ أوفرها عليكم ، وأخرجكم إلى حرب عدوّه الحسين ، فاسمعوا له وأطيعوا:
ولكن أهل الكوفة كانوا لا يزالون مترددين في قتل الإمام لأنه ابن بنت نبيهم فلم يوافق الجميع على طرح ابن زياد الذي اختار الطامعين منهم لقتال الإمام الحسين بعد أن عرض عليهم المال.
فبدأ ابن زياد بإرسال الجيوش إلى بن سعد فأرسل له الشمر على رأس أربعة آلاف ويزيد بن الركاب في ألفين ، والحصين بن نمير التميمي في أربعة آلاف ، وشبث بن ربعي في ألف ، وكعب بن طلحة في ثلاثة آلاف ، وحجّار بن أبجر في ألف ، ومضاير بن رهينة المازني في ثلاثة آلاف ، ونصر بن حرشة في ألفين، فتكامل عند ابن سعد لستٍ خلون من المحرم عشرون ألفاً ، ولَم يزل ابن زياد يرسل العساكر إلى ابن سعد حتّى تكامل عنده ثلاثون ألفاً.
وهنا نتذكر قول الإمام الحسن(ع) بعدما أسقي السم: لا يوم كيومك يا أبا عبد الله وقد ازدلف إليك ثلاثون ألفاً يدَّعون أنّهم من اُمّة جدّنا محمّد وينتحلون دين الإسلام فيجتمعون على قتلك وسفك دمك وانتهاك حرمتك وسبي ذراريك ونسائك وانتهاب ثقلك فعندها تحلّ ببني اُميّة اللعنة ، وتمطر السّماء رماداً ودماً ، ويبكي عليك كلّ شيء حتّى الوحوش في الفلوات والحيتان في البحار:
يذكر المؤرخون أن عمر بن سعد أنزل الخيل على الفرات فحموا الماء وحالوا بينه وبين سيّد الشهداء ، ولَم يجد أصحاب الحسين طريقاً إلى الماء حتّى أضرّ بهم العطش ، فأخذ الحسين فأساً وخطا وراء خيمة النّساء تسع عشرة خطوة نحو القبلة وحفر فنبعت له عين ماء عذب ، فشربوا ثمّ غارت العين ولَم يرَ لها أثر ، فأرسل ابن زياد إلى ابن سعد : بلغني أنّ الحسين يحفر الآبار ويصيب الماء فيشرب هو وأصحابه فانظر إذا ورد عليك كتابي ، فامنعهم من حفر الآبار ما استطعت وضيّق عليهم غاية التضيّيق ، فبعث في الوقت عمرو بن الحجّاج في خمسمئة فارس ونزلوا على الشريعة، وذلك قبل مقتل الحسين بثلاثة أيّام:
وفي اليوم السّابع من شهر محرم الحرام عام إحدى وستين للهجرة اشتدّ الحصار على سيّد الشهداء ومَن معه ، وسُدّ عنهم باب الورود، ونفد ما عندهم من الماء ، فعاد كلّ واحد يعالج لهب العطش ويوجد بينهم وبين الماء رماح وسيوف.
إن أبا الفضل العباس(ع) هو ساقي العطاشى ليس في العاشر من شهر محرم فقط بل في اليوم السابع عندما حيل بينهم وبين الماء فلم تسمح له نفسه الزكية بأن يبقى مكتوف الأيدي فلقد أمره أخوه الحسين بأن يستقي للصبية فضم إليه عشرين راجلاً مع عشرين قربة وأمره بالذهاب إلى النهر فذهب مسرعاً ولم يبال بتلك السيوف والرماح.
تقدّم نافع بن هلال الجملي باللواء ، فصاح عمرو بن الحَجّاج : مَن الرجل ؟ قال : جئنا لنشرب من هذا الماء الذي حلأتمونا عنه، فقال : اشرب هنيئاً ولا تحمل إلى الحسين منه ، قال نافع : لا والله ، لا أشرب منه قطرة والحسين ومَن معه من آله وصحبه عطاشى ، وصاح نافع بأصحابه : املأوا أسقيتكم ، فشدّ عليهم أصحاب ابن الحَجّاج فكان بعض القوم يملأ القرب والبعض يقاتل وفيهم حاميهم أبو الفضل ، فجاؤا بالماء وليس في أعدائهم من تحدثه نفسه بالدنوّ منهم خوفاً من ذلك البطل المغوار :
ولكن كمية الماء التي أتي بها كانت قليلة جداً لا تسد الحاجة، وسرعان ما ألمّ بهم العطش مرة أخرى.
وقد أرسل الحسين(ع) عمرو بن قرظة الأنصاري إلى ابن سعد يطلب الاجتماع معه ليلاً بين المعسكرين ، فخرج كلّ منهما في عشرين فارساً ، فقال الحسين : يابن سعد أتقاتلني ؟ أما تتقي الله الذي إليه معادك ؟! فأنا ابن مَن قد علمتَ ! ألا تكون معي وتدع هؤلاء فإنّه أقرب إلى الله تعالى ؟ قال عمر : أخاف أنْ تهدم داري ، قال الحسين : أنا أبنيها لك ، فقال : أخاف أنْ تؤخذ ضيعتي، … ولما أيس منه الحسين قام وهو يقول : ذبحك الله على فراشك عاجلاً ، ولا غفر لك يوم حشرك ، فوالله إنّي لأرجو أنْ لا تأكل من بَرّ العراق إلا يسيراً: وأول ما شاهده من غضب الله عليه ذهاب ولاية الري ، فإنّه لمّا رجع من كربلاء طالبه ابن زياد بالكتاب الذي كتبه بولاية الري ، فادّعى ابن سعد ضياعه ، فشدّد عليه باحضاره.
وبين افتراء بن سعد وتحريض شمر بن ذي الجوشن سُفكت تلك الدماء الزكية، فبعد لقاء الحسين(ع) بعمر بن سعد، أراد الأخير أن يُظهر نفسه أمام ابن زياد أنه انتصر على الحسين وأرغمه على الرجوع من حيث أتى، فكتب إلى ابن زياد: أمّا بعد فإنّ الله أطفأ النّائرة وجمع الكلمة وأصلح أمر الاُمّة ، وهذا حسين أعطاني أنْ يرجع إلى المكان الذي منه أتى ، أو أنْ يسير إلى ثغر من الثغور ، فيكون رجلاً من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم ، أو أنْ يأتي أمير المؤمنين يزيد فيضع يده في يده فيرى فيما بينه وبينه رأيه ، وفي هذا رضىً لكم وللاُمّة صلاح: وكان ذلك كذباً وافتراءاً على الإمام(ع).ولمّا قرأ ابن زياد كتاب ابن سعد قال : هذا كتاب ناصح مشفق على قومه، وأراد أن يجيبه ، فقام الشمر ، وقال : أتقبل هذا منه بعد أنْ نزل بأرضك ؟ والله ، لئن رحل من بلادك ولَم يضع يده في يدك ليكونّن أولى بالقوّة وتكون أولى بالضعف والوهن ، فاستصوب رأيه وكتب إلى ابن سعد: أمّا بعد، إنّي لَم أبعثك إلى الحسين لتكفّ عنه ولا لتطاوله ولا لتمنيه السّلامة ولا لتكون له عندي شفيعاً، اُنظر فإنْ نزل حسين وأصحابه على حكمي فابعث بهم إليَّ سِلماً، وإنْ أبوا فازحف إليهم حتّى تقتلهم وتمثّل بهم؛ فإنّهم لذلك مستحقّون، فإنْ قُتل حسين فاوطىء الخيل صدره وظهره، فإنْ أنت مضيتَ لأمرنا فيه جزيناك جزاء السّامع المطيع ، وإنْ أبيتَ فاعتزل عملنا وجندنا وخلّ بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر ، فإنّا قد أمرناه بذلك:
فلمّا جاء الشمر بالكتاب ، قال له ابن سعد: ويلك لا قرب الله دارك، وقبّح الله ما جئت به، وإنّي لأظنّ أنّك الذي نهيته وافسدت علينا أمراً رجونا أنْ يصلح، والله لا يستسلم حسين فانّ نفس أبيه بين جنبَيه .
فقال الشمر : أخبرني ما أنت صانع، أتمضي لأمر أميرك ؟ وإلاّ فخلّ بيني وبين العسكر. قال له عمر : أنا أتولّي ذلك، ولا كرامة لك، ولكن كن أنت على الرجّالة:
وقد استأذن حبيب بن مظاهر من الحسين أنْ يأتي بني أسد وكانوا نزولاً بالقرب منهم فأذِن له، ولمّا أتاهم وانتسب لهم عرفوه، فطلب منهم نصرة ابن بنت رسول الله فإنّ معه شرف الدنيا والآخرة، فأجابه تسعون رجلاً، وخرج من الحي رجل أخبر ابن سعد بما صاروا إليه، فضمّ إلى الأزرق أربعمئة رجل وعارضوا النّفر في الطريق واقتتلوا، فقُتل جماعة من بني أسد، وفرّ مَن سلِم منهم إلى الحي فارتحلوا جميعاً في جَوف الليل خوفاً من ابن سعد أنْ يبغتهم، ورجع حبيب إلى الحسين وأخبره، فقال : لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العظيم:
أما اليوم التاسع من شهر محرم عام إحدى وستين للهجرة أي قبل المعركة بيوم واحد فلا شك بأنه كان يوماً صعباً على الهاشميين والأصحاب، فالرجال كانوا يتهيأون للقتال، والنسوة كانت تتهيأ للترمّل والثكل واليتم والسبي.
وقد شهد ذلك اليوم تحركاً واسعاً من الطرفين، كلٌ يريد تحقيق أهدافه، ولم يكن من العدل العسكري أن يواجه مئة شخص ثلاثين ألفاً، وهذا يعني أن الطرف اليزيدي قد جمع في مقابل كل رجل من الطرف الحسيني ثلاثماية رجل، ولكن الجيش الحسيني كان مؤمناً بقول الله تعالى(قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)
كانوا مملوئين بالثقة ومتلهفين للمواجهة ومستعدين للدفاع عن إمامهم الذي يمثّل للبشرية كل خير، وموطّنين أنفسهم على تحمّل الآلام في سبيل نصرة الدين والدفاع عن الحق، فلم يكونوا ينظرون في تلك الأثناء إلا إلى رضا الله تعالى عنهم.
وفي ذلك اليوم أيضاً أمر ابن سعد جنوده بالزحف نحو مخيّم الحسين، وفي تلك الأثناء كان الإمام الحسين(ع) جالساً بالقرب من الخيمة فغفت عينه قليلاً، فرأى رسول الله(ص) وهو يقول له:إنك طائرٌ إلينا عن قريب:
سمعت زينب(ع) أصوات الرجال قد علت فأتت إلى أخيها قائلة: قد اقترب العدو منا: فأرسل الإمام(ع) أخاه العباس لمعرفة الخبر، فركب العبّاس في عشرين فارساً فيهم زهير وحبيب ، وسألهم عن ذلك قالوا : جاء أمر الأمير أنْ نعرض عليكم النّزول على حكمه، أو ننازلكم الحرب:
فرجع العباس ليخبره أخاه بالأمر وبقي الأصحاب هناك يعظون المقاتلين من الطرف اليزيدي.
قال لهم حبيب بن مظاهر : أما والله لبئس القوم عند الله غداً ، قوم يقدمون عليه وقد قتلوا ذريّة نبيّه وعترته وأهل بيته وعبّاد أهل هذا المصر المتهجدين بالأسحار الذاكرين الله كثيراً: فقال له عزرة بن قيس : إنّك لتزكّي نفسك ما استطعت: فقال زهير : يا عزرة ، إنّ الله قد زكّاها وهداها فاتّق الله يا عزرة ، فإنّي لك من النّاصحين ، اُنشدك الله يا عزرة أنْ لا تكون ممَّن يعين أهل الضلالة على قتل النّفوس الزكيّة : ثمّ قال عزرة : يا زهير ما كنتَ عندنا من شيعة أهل هذا البيت ، إنّما كنتَ على غير رأيهم: قال زهير : أفلستَ تستدلّ بموقفي هذا أنّي منهم ، أما والله ما كتبتُ إليه كتاباً قطّ ، ولا أرسلت إليه رسولاً ، ولا وعدته نصرتي ولكنّ الطريق جمع بيني وبينه ، فلمّا رأيته ذكرتُ به رسول الله ومكانه منه ، وعرفتُ ما يُقدم عليه عدوّه ، فرأيت أنْ أنصره وأن أكون من حزبه وأجعل نفسي دون نفسه ؛ لمِا ضيّعتم من حقّ رسوله :
رجع العباس بن علي إلى أخيه الإمام وأخبره بنية القوم، فقال له الحسين(ع): ارجع إليهم، واستمهلهم هذه العشيّة إلى غد ، لعلّنا نصلّي لربّنا الليلة وندعوه ونستغفره ، فهو يعلم أنّي اُحبّ الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار: فرجع العباس إلى القوم وبلّغهم طلب الإمام، فراوغ عمر ابن سعد في تحقيق هذا الطلب، فقال عمرو بن الحَجّاج : سبحان الله ! لو كانوا من الديلم وسألوك هذا لكان ينبغي لك أنْ تجيبهم إليه . وقال قيس بن الأشعث : أجبهم إلى ما سألوك ، فلَعمري ليستقبلك بالقتال غدوة . فقال ابن سعد : والله لو أعلم أنّه يفعل ما أخّرتهم العشية . ثمّ بعث إلى الحسين : إنّا أجّلناكم إلى غد ، فإنْ استسلمتم سرحنا بكم إلى الأمير ابن زياد ، وإنْ أبيتم فلسنا تاركيكم:
فجمع الإمام الحسين أصحابه قرب المساء فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال: أُثنى على الله أحسن الثناء وأحمده على السرّاء والضرّاء ، اللهمّ إنّي أحمدك على أنْ أكرمتنا بالنبوّة ، وعلّمتنا القرآن وفقّهتنا في الدين ، وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدةً ، ولَم تجعلنا من المشركين: أمّا بعد ، فإنّي لا أعلم أصحاباً أولى ولا خيراً من أصحابي ، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي ، فجزاكم الله عنّي جميعاً، وقد أخبرني جدّي رسول الله (ص) بأنّي ساُساق إلى العراق فأنزلُ أرضاً يقال لها كربلاء ، وفيها اُستشهد، وقد قرب الموعد ، ألا وإنّي أظنّ يومنا من هؤلاء الأعداء غداً، وإنّي قد أذِنت لكم فأنطلقوا جميعاً في حلّ ليس عليكم منّي ذمام، وهذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً ، وليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي ، فجزاكم الله جميعاً خيراً ! وتفرّقوا في سوادكم ومدائنكم ، فإنّ القوم إنّما يطلبونني ، ولَو أصابوني لذهلوا عن طلب غيري:
فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وأبناء عبد الله بن جعفر : لِمَ نفعل ذلك ؟ لنبقى بعدك ؟! لا أرانا الله ذلك أبداً:
والتفت الإمام إلى بني عقيل وقال :حسبكم من القتل بمسلم ، اذهبوا قد أذِنت لكم :فقالوا : إذاً ما يقول النّاس ، وما نقول لهم ؟ أنّا تركنا شيخنا وسيّدنا وبني عمومتنا خير الأعمام ؟! ولَمْ نرمِ معهم بسهم ولَمْ نطعن برمح ولَمْ نضرب بسيف ، ولا ندري ما صنعوا ؟! لا والله لا نفعل، ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا ، نقاتل معك حتّى نرد موردك ، فقبّح الله العيش بعدك:
وهذا ما قاله جميع أصحابه الأخيار رضوان الله تعالى عليهم.



